مقـــالات الكــاتب

بعد مجموعتيه القصصيتين

"الرجل الذى عادت إليه ذاكرته", و "كونشرتو الناى",. ومسرحياته الأربع: "فوت علينا بكرة, واللي بعده","القاتل خارج السجن ", "سالومى" و"اثنين تحت الأرض " , تأتى رواية الأديب والكاتب الصحافى المصرى محمد سلماوى الوثائقية السياسية الأولى: "الخرز الملون" , لتقدم اضافة ثرية للفن الروائى العربى, شكلا ومضمونا, فى المعمار وفى المحتوى على السواء. فهى رواية تسجيلية واقعية ترصد وتوثق وقائع وأحداث التاريخ العربى المعاصر, من خلال محورين اساسيين هما: القضية الفلسطينية وحياة بطل الرواية "نسرين حورى" )الصحافية الراحلة جاكلين خورى), وتمزج بينهما فى عمل روائى فريد, يجمع بين البنية الروائية العربية الأصيلة وبين حداثة الفن الروائى العربى. فهى مقدمة فى شكل"ايام العرب" التراثية النثرية المعروفة فى الأدب الجاهلى, عبر خمسة ايام تكون فصولها الخمسة, وتستغنى عن رتابة السرد الروائى التقليدى الذى تجاوزته الرواية الحديثة, تاركة الوقائع والأحداث تتدفق وتتداخل وتتداعى من دون تسلسل زمنى أو حكائى. أما الأيام الخمسة, فهى منتقاة بعناية ووعى,لما تمثله من احداث مصيرية أثرت وما زالت تؤثر فى مجريات التاريخ العربى وفى الوجود العربى المعاصرين. هذه الأيام هى " 14 أيار (مايو)1948", يوم الأعلان عن قيام"اسرائيل" وبداية حرب فلسطين, "22 تموز (يوليو) 1952", ليلة قيام ثورة تموز(يوليو), "21 آذار (مارس) 1958" عندما حققت ثورة تموز)يوليو(إنجازاتها العظيمة بإنهاء النظام الملكى شبه الاقطاعى المستعمر, وحررت مصر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا" 19 كانون الأول )ديسمبر( 1967", تفاقم احداث الحرب الأهلية اللبنانية ومقتل الصحافى إسماعيل جابر(إبراهيم عامر),20 نيسان (ابريل) 1980, تحقيق (بيغن) لمشروعه الصهيونى, وانتحار بطلة الرواية. هكذا جمع الروائى محمد سلماوى بين البناء التراثى والحداثة الروائية, وبين الخاص والعام فى حياة بطلته(العنوان الثانى للرواية": خمسة أيام فى حياة نسرين حورى" - رواية وثائقية), ومزج بين الصحافى السياسى التاريخى, وبين الرؤية والرؤيا, مقدما رؤية قومية للقضية الفلسطينية, التى لم تنل حقها من الاهتمام الكافى فى الرواية العربية, باستثناء روايات الكتاب العرب الفلسطينيين. ويطالعنا الروائى بهذا المزج الماهر بين الخاص والعام فى حياة بطلته نسرين حورى (ابنة يافا) من السطور الأولى فى روايته لأحداث اليوم الأول, المؤرخ: 14 أيار (مايو)1948, والمعنون: "أغنية الانطلاق". "فقد كانت نسرين تماما مثل فلسطين مطمعا للطامعين.." (ص8 ) واقترنت ازمتها الإنسانية مع زوجها الأول"إبراهيم زيدان" بأزمتها الوطنية, وأسلمتها إلى ذكريات وأعمال النضال الوطنى ضد الصهاينة بقيادة البطل عبدالقادر الحسينى, ممتزجة بذكريات حبها وزواجها الأول وبعقد"الخرز الملون "الذى أهداها إياه زوجها الأول هدية لزواجهما المرفوض من أسرتها, مما دفعها إلى الفرار معه إلى القدس والاستقرار بها.. هذا العقد من"الخرز الملون" الذى منح الرواية عنوانها وتضمن مغزاها(؟!) إذ لم تلبث نسرين أن اكتشفت فيه عقدا لخيانة أمتها ووطنها وأحلامها القومية. وشبهته بالعقود الملونة التى خدع بها الاستعمار القديم شعوب إفزيقيا وسلبها حريتها واستقلالها وثرواتها. إذ كانت مفاهيم إبراهيم زيدان السياسية مضادة لقناعات نسرين القومية والوطنية. فهو يرفض العروبة, ويقبل تقسيم فلسطين, ويشيد بعبقرية اليهود التجارية والمالية!! فى حين كانت قومية عربية فلسطينية, معادية للصهيونية, مؤكدة لعبقرية الحضارة العربية:"فلم تكن ترى فى عصابات الارهاب الصهيونى الا جحافل التتار الغازية, التى تحطم امامها, مع كل يوم جديد, معالم الحضارة العربية التى كانت فلسطين احد مراكزها, والتى تربت نسرين على اصولها فى بيت والدها رئيس بلدية يافا". ويسجل الروائى محمد سلماوى بيانات المقاومة الفلسطينية, ومجريات الاحداث, والوقائع التاريخية, فى تلك الفترة الحاسمة, ولقاء بطلة الرواية الأول ياسر عرفات والشهيدين: عبد القادر الحسينى بطل المقاومة الفلسطينى, والبكباشى المصرى أحمد عبد العزيز بطل المقاومة العربية وقائد جيوش المتطوعين العرب. وتبرز الرؤية القومية للقضية الفلسطينية فى ادراك "نسرين أن أحمد عبد العزيز لم يستشهد فى سبيل فلسطين وحدها, وانما فى سبيل انتماء عربى اكبر, وفى سبيل هذا الانتماء نفسه, كانت نسرين قد عقدت العزم على خوض النضال بنفسها, حماية لعروبتها وحفاظا على حضارتها وتأكيدا لهويتها(ص2) ". ويمتزج الخاص والعام, لتصبح القضية محور حياتها وتوجهاتها, مع افتراقها عن ابيها وامها فى دوامة المعارك, والهجرة, ولهو زوجها الأول وعبثه ولا مبالاته ازاء هذه القضية المصيرية, واعتزامه العمل مع يهودى فرنسى, مما عمق الهوة بينهما, خاصة بعد ان حسمت نسرين الامر, ولبت ندائها ضميرها القومى والوطنى بالانضمام إلى صفوف المقاومة المسلحة.. ومن ثم تحتم انفصال الزوجين بالطلاق, بعد ان ظهرت أمها وأجبرت زوجها على الطلاق مقابل مبلغ من المال؟!كما أرغمت الأم ابنتها أيضا على الخروج مع مئات الألاف من اللاجئين من فلسطين, من ذلك اليوم (الأول) الرهيب "14 أيار(مايو) 1948" من أيام الرواية. بذلك وفق الروائى فى تجسيد أزمة فلسطين العامة بمزجها المتقن مع أزمة بطلة الرواية الخاصة. وفى ثانى أيام وفصول الرواية " 22تموز(يوليو) 1952" المعنون : "ليلة باستت" !نتابع صعود البطلة نسرين حورى فى الصحافة المصرية وفى المجتمع المصرى, مع تفاقم ازمتها الأسرية بعد طلاقها من زوجها الأول وإصابة والدها بالشلل نتيجة لنكبة فلسطين الأولى. ومع أنها اكتسبت الجنسية المصرية وجاء ابنها مصريا ايضا, إلا أنها "بفضل أحمد عبد العزيز تعلمت أنه ليس هناك تناقض بين أن يكون الأنسان مصريا وفلسطينيا فى آن واحد, إنها ليست جنسية مزدوجة لكنها وجهان لانتماء واحد". (ص51) غير أن رؤية البطلة القومية العربية الأصيلة رفضت الانصياع لهذا التهديد بالفصل, أو الرضوخ والكف عن العمل السياسى الثورى, إذ" شعرت بأن عليها أن تختار ما بين عملها ومصير الأمة العربية كلها. كانت تؤمن بأن مصر هى قلب هذا الوطن الأكبر وكثيرا ما قالت لأصدقائها مداعبة أن مصر سميت مصر لأنها صاحبة المصير العربى, فما يحدث لمصر وبمصر هو الذى يحدد مصير الأمة العربية كلها. فكيف تتخلى عن اهتمامها السياسى وتعيش فى مصر ضيفة تتمتع بخيراتها من دون أن تعبأ بمشاكلها وبمستقبلها؟"(ص64). فى ثالث أيام وفصول الرواية, المؤرخ: 21اذار(مارس) 1958 , والمعنون:" جنة عدن", يبدأ طور جديد فى حياة نسرين حورى وفى ثورة تموز)يوليو (معا, باقترانها بالصحافى المصرى إسماعيل جابر رئيس القسم السياسى بصحيفة," الجمهورية "لسان حال الثورة, التى أسسها الزعيم الخالد جمال عبد الناصر, وأشرف على ادارتها انور السادات, وكانت افتتاحيتها بقلم عبد الناصر عن الثورة العربية. هكذا يسير خط المزج بين الخاص والعام فى الرواية.. وتتجسد افكار الروائى محمد سلماوى عبر شخصياته وأحداثه. "فكما وجد اسماعيل نفسه فى ثورة(يوليو) , وجدت نسرين نفسها فى إسماعيل.." (ص94). وتسجل الرواية إنجازات ثورة تموز(يوليو) ومعاركها, فى مصر وفى حركة التحرير العربية وفى قيام الوحدة المصرية ـ السورية وفى العالم الثالث كله, وتعلق الجماهير فى كل مكان ببطلها العظيم جمال عبد الناصر, الذى تنقل الرواية فقرات من أهم خطبه الثورية.. ويقترن ذلك بتحقيق عبد الناصر حلم البطلة القومى الكبير بالوحدة بين مصر وسوريا. لذا انخرطت مع زوجها فى معارك الثورة ضد العدوان الثلاثى, من منطلق قومى, التى رأت فيه تعويضا عن حرمانها من الأشتراك فى معارك فلسطين سنة 1948. فقد "أحست نسرين أنها تدافع عن فلسطين فى بور سعيد كما دافع أحمد عبد العزيز عن مصر فى فلسطين" (ص97) هكذا تركز الرواية على الرؤية القومية للقضية الفلسطينية فى كل سطورها, وعبر شخصياتها القومية المحورية... وتقترن الرؤية القومية, والوحدة الاندماجية المصرية - السورية. باندماج نسرين مع الصحافى إسماعيل جابر, ويقرران الزواج, ويعقدان قرانهما فى المسجد الأموى فى دمشق, فامتزجت أفراح الوحدة بأفراح الزواج. وتأتى أحداث "اليوم الرابع: 19كانون الأولى(ديسمبر) 1976" بعنوان: "شراع بلا ريح", لتواكب نشوب الحرب الأهلية فى لبنان," ولتشهد مصرع الزوج الصحافى المصرى إسماعيل جابر, مجسدة المأساة العامة والخاصة لأمتنا وللبنان ولبطلة الرواية, مجهضة كل افراحها القومية والشخصية, موقعة اياها في اتون أزمة نفسية حادة .. وتتصاعد الأحداث المأساوية لتصل إلى ذروتها برحيل جمال عبد الناصر, الذى عدت نسرين موته "جريمة قومية", وتتداعى على ذهنها صور كفاح عبد الناصر طوال مراحل حياته القصيرة, الحافلة بالمكاسب والإنجازات القومية والوطنية والشعبية, مؤكدة "أن عبد الناصر حى لم يمت". وتتفاقم أحزان نسرين لتعاودها مشاعر"الخوف الكبير". وتخرب الأحزان تماسكها النفسى. وتتصاعد أزمتها النفسية والعصبية, وتترافق مع تصاعد أحداث الصراع والردة التالية لوفاة عبد الناصر, واقترانها بهجرة الصحافيين والمثقفين المصريين, الذين فصلهم السادات, إلى خارج مصر, ومن بينهم الزوج, إسماعيل جابر, الذى لقى مصرعه خلال أحداث الحرب الأهلية اللبنانية. وتغيب نسرين فى أحلام الاكتئاب لتفيق على الأمل القومى الجديد, الذى تحقق باشتراك مصر وسوريا فى حرب تشرين الأول(اكتوبر)1973 ضد العدو الصهيونى. غير أن إجهاض السادات الانتصارات العربية فى الحرب بالتباطؤ مع امريكا, وإبرامه اتفاقيات فصل القوات, ومفاوضات الكيلو101, وقتل العربى لأخيه العربى فى الحرب الأهلية اللبنانية, ووصل بيغن سفاح"دير ياسين "إلى الحكم, هذا كله حطم آخر آمال وأحلام نسرين بطلة الرواية, وأجهز على توازنها النفسى والفكرى, وأدى إلى انهيارها العصبى, وإلى اكتئابها ورفضها للحياة بأسرها. ولخصت هذه العبارة مأساتها وامتزج حياتها الخاصة بالأحداث العامة. وتفضى هذه الأحداث المأساوية, العامة والخاصة, إلى"اليوم الخامس:20 نيسان (ابريل) 1980", فى الفصل المعنون": الخروج من اللعبة."وتزداد أزمة نسرين حدة, مع ازدياد شعورها بالغربة والوحدة ورفض الحياة متردية والمنكوسة من حولها, فى حقبة السبعينات, بدءا من انكار الانتماء العربى لمصر, إلى الانطواء تحت السيطرة الأمريكية الصهيونية, والانفتاح الاقتصادى وتقويض صرح مكاسب الثورة القومية والوطنية والشعبية, وحتى توقيع معاهد الصلح المنفرد مع العدو الصهيونى. فترفض نسرين كل شئ من حولها, وتنسحب من الحياة العامة والخاصة ايضا, وتنتحر! غير إن الروائي لا يدعنا نهبا لليأس , إذ يشير إلى صحوة الأمل, بعودة ابن نسرين ليشارك أطفال الانتفاضة الفلسطينية وشبابها ثورتهم ومقاومتهم للعدو الصهيونى, مجددين حلم العودة القومى والوطنى إلى فلسطين العربية المستقلة.

جميع الاصدرارات متوافرة لدى المكتبات الكبرى و دور النشر
الصفحــة الرئيسيـة
الـسـيرة الـذاتــيـة
مؤلفـات الكـاتب
مقالات عن الكاتب ومؤلفاتة
حـوارات الكـاتب
البــوم الصــور


تليفــون : 25783104

 

 
 
 

Designed by Abdelhafez Alnomany | 0127828975