حوارات الكــاتب
الحكومة المتهم الحقيقى فى أزمة مصر الثقافية

الوفـــد 8-1-2006

أجرى الحوار : أشرف عزب

: محمد سلماوى رئيس اتحاد كتاب مصر لـ الوفد

* حالة «شيزوفرينيا» في فكر المثقفين تجاه السلطة *
  *تنوع مصادر التمويل الحل الأمثل لإنقاذ الثقافة *
 * الكتاب يعانى من حالة خطرة مزمنة ويجب معالجتها فورا *

لم يكن الاتصال الذي تلقاه محمد سلماوي رئيس اتحاد الكتاب ـ أثناء اجراء الحوار معه ـ من رئيس تحرير مجلة ثقافية ايطالية بعمل عقد مؤتمر مشترك مع اتحاد الكتاب حول حوار الحضارات إلا تعبيراً عن النقلة النوعية التي شهدها اتحاد الكتاب في الفترة الأخيرة والتي شجعت أن نذهب بأسئلة كثيرة تبحث عن اجابة حول أزمة الثقافة في مصر ومشاكل عديدة يمر بها الكتاب المصري الآن واشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة وطبيعة العلاقة بينهما لحملها علي رئيس اتحاد الكتاب محمد سلماوي ليجيب عن بعض الأسئلة ويطرح حلولاً للبعض الآخر.. وكان هذا نص الحوار

 أكد عمرو موسى أن من يطالع تقرير الأمم المتحدة عن أحوال الثقافة في العالم العربي سوف يصاب بالهلع ووصف التقرير بأنه خطير جداً.. أرجو التعقيب؟

* عندما نتكلم عن العالم العربي لابد أن نتكلم عن مصر.. نري مصر كي نري الخريطة في العالم العربي لأن مصر هي مركز العالم العربي ثقافياً ومصر الآن تمر بمرحلة انتقالية يبدو أنها غائبة عن كل من يتحدث عن مصر ثقافياً.. فهناك مثل أجنبي يقول: أعمتهم الأشجار عن رؤية الغابة.. أي أن هؤلاء ينظرون الي التفاصيل دون النظر نظرة كلية للأشياء فينظرون للمسرح فقط.. أو للرواية فقط.. وكل هذه الأشياء تفاصيل.. ولكن النظرة الكلية تقول إن مصر تمر بمرحلة مهمة جداً في تاريخها بين نظامين متناقضين: النظام الأول يعتمد علي الدولة أنها راعية الفنون والثقافة والفكر.. الدولة ملزمة بأن توفر هذه الأشياء ليس كسلعة تباع وتشتري وانما كخدمة عامة ملتزمة بتوصيلها للمواطن دون ان يكون العنصر الاقتصادي أو المالي عائقاً في سبيل وصولها.. كما رأينا في الستينيات كتباً ظهرت لكبار الكتاب وكان ثمن الكتاب ثلاثة قروش وهذا النظام أثمر عن وضع ثقافي جيد جداً مازلنا نتحدث عنه حتي الآن ونسميه بفترة الستينيات. والآن مصر تنتقل بل انتقلت بالفعل من هذا النظام القديم الي نظام آخر يؤمن بالاقتصاد الحر تمشياً مع اتجاه عام في العالم أجمع هذا الاتجاه يقول إن الدولة ليست هي ولية أمر الشعب لا في السياسة ولا في الثقافة ولذلك الرأي الرسمي في مصر الآن يقول إن القطاع الخاص شريك في التنمية فالتنمية ليست حكراً علي القطاع العام وحده وانما القطاع الخاص شريك في التنمية

هذا الكلام ينطبق علي مجال الثقافة.. فالدولة مازالت ترصد ميزانية معينة للثقافة.
بدأنا نري رأس المال الخاص يساهم في رعاية الثقافة.. منذ أيام مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية منحت جوائز قدر الجائزة مائة ألف جنيه.. إذاً بدأ القطاع الخاص يدخل في هذه العملية.. والمفروض عندما يتطور هذا الوضع يصل الي مرحلة انفاق القطاع الخاص بمبالغ تزيد بكثير عما تنفقه الحكومة كما يحدث في أمريكا وغيرها.
نحن في مرحلة لم تعد الدولة تغدق علي الثقافة رغم ان هناك ميزانية للثقافة قائمة وموجودة ولكن بالمقارنة بالستينيات، مع ارتفاع التكلفة في الانتاج تعتبر هذه الميزانية أقل بكثير عما كان ينفقه في الستينيات.
فالثقافة واقعة بين نضوب المواد الحكومية وعدم وصول الموارد الخاصة اليها
 

لماذا ومن المسئول عن ذلك؟

طبعاً وأسهل شيء أن نقول إن رجال الأعمال لا يدفعون.. في أمريكا رجال الأعمال ينفقون علي الثقافة وهنا لا يدفعون.. لابد أن نري لماذا يدفع رجال الأعمال هناك ولا يدفعون هنا.. وهل من المفترض أن يضع رجال الأعمال مليون جنيه في انتاج أوبرا.. وهذا الانتاج لا يعود عليه بعائد.. الدولة هناك تسن من القوانين ما يشجع رأس المال الخاص علي أن يدفع.. هناك مثلاً أي أموال يتم انفاقها أو التبرع بها للعمل العام يخصم بالكامل من الوعاء الضريبي لرجل الأعمال.. هنا لا يحدث هذا.. فيخصم «3%» فقط وزادت بعد ذلك الي «7%» من الوعاء الضريبى.. مبلغ لا
! ! يعنى أى شئ

الحكومة السبب  ترى أن الحكومة إذن هي السبب في الأزمة الثقافية الآن؟

الحكومة السبب لأنها في الوقت الذي غيرت فيه القوانين كلها في المجال الاقتصادي كي تسمح بالانتقال من النظام الاقتصادي القديم الي النظام الاقتصادي الجديد، يعني من النظام الاقتصادي المركزي الي الاقتصاد الحر غيرت كل القوانين كي تسمح بهذا التحول ولم تفعل ذلك فى المجال الثقافى

تشخيص الأزمة
إذن ماذا تقول في ميزانية الدولة المخصصة لوزارة الثقافة؟

مازال هناك انفاق من ميزانية الدولة الي وزارة الثقافة واحساس الشخص وعلي مسئوليتي الشخصية ان هذا الانفاق وجزءاً كبيراً جداً من هذه الميزانية المرخصة الآن لوزارة الثقافة مرتبط ارتباطاً مباشراً بوجود وزير معين وهو فاروق حسني فوجود هذه الميزانية ليس جزءاً من الفكر السياسي للدولة.. بل مرتبط بوجود فاروق حسني كوزير للثقافة. وبالتالي فليس هناك وضع ثابت وفكر يمكن ان نبني عليه خططاً في المستقبل فالدولة لابد ان تقوم بدورها فاذا كانت تقول ان القطاع الخاص شريك في التنمية وفي الثقافة فيجب ان تسن القوانين التي تشجع القطاع الخاص علي أن يشارك علي أن ينهض بالوضع الثقافى الموجود بالبلد هذا هو التشخيص للأزمة الثقافية.. اليوم الموارد تنضب والقطاع الخاص لا يغدق الأموال المنتظرة منه الا في حالات قليلة وفردية ومبادرات شخصية من أصحابها. عندما يكون هذا هو الوضع الموجود من أين يأتي جيل جديد من الكتاب وان كان هناك نوابغ تكتب رواية ومسرح من الذي سينشر لهم

إشكالية المثقف والسلطة
 
ماذا يفعل الكاتب الآن في ظل تهميش دور الدولة له واشكالية تحويل سلطة المثقف إلى ثقافة السلطة؟

هناك تناقض في فكر المثقفين أنفسهم لأن المثقفين يتهمون الدولة والسلطة بأنها لا تهتم بالثقافة ولا تدفع أموالاً كافية للثقافة، وفي نفس الوقت يقولون إنه ليست لنا علاقة بالسلطة وأي مثقف له علاقة بالسلطة يصبح مثقفاً خائناً وكأن قيمة المثقف أن يكون في حالة عداء مع السلطة.. هذه حالة من الشيزوفرينيا وتناقض في فكر المثقفين اتجاه السلطة.. انهم ينتقدون السلطة لأنها لا تلبي احتياجاتهم وفي نفس الوقت يتهمون السلطة وكل من يتصل بها بأنه غير أمين.. هذا تناقض وتناقض غير مفهوم

تنوع مصادر التمويل
 إذن ما البديل لايجاد علاقة سوية بين المثقف والسلطة؟

البديل عنه ليس العكس لأن العكس ايضاً يمثل تناقضاً فالبديل عنه ليس أن يرتمي المثقفون في أحضان السلطة. البديل هو أن تكون للثقافة مواردها المتنوعة التي لا تسمح لأي طرف بأن يسيطر علي الثقافة أو المثقفين، إنما تنوع مصادر التمويل بين الوزارة والقطاع الخاص.. وأنا واحد من الأشخاص يعتقد أنه بالرغم من اننا ذاهبون للاقتصاد الحر ممكن ان يكون هناك متسع في هذا الاتجاه لدور أن تقوم الدولة به لرعاية الثقافة والمثقفين والمثل علي ذلك ان لم يكن امريكا ففرنسا، ففي أمريكا لا توجد وزارة للثقافة.. أما في فرنسا فتوجد وزارة للثقافة تدعم الدولة أنشطة ثقافية لذلك هناك وزارة ثقافة في فرنسا بينما لا توجد وزارة للثقافة في أمريكا. اتفقنا إذن أن هناك تناقضاً ليس واضحاً في ذهن المثقف عن دور الدولة.. في بعض الأحيان يري أن الدولة دورها أن تنفق عليه وفي أوقات أخري يري أن دوره هو أن يحاربها وهذا لا يجوز.. إنما دور المثقف أن يسعي الي استقلالية الثقافة وهذا الاستقلال يأتي من تنوع المصادر ما بين الدولة وبين الموارد الذاتية. تلك هي الصورة المثلي التي يجب ان تصل اليها الثقافة في ظل خروجنا من النظام القديم واقترابنا من هذا النظام الجديد.. لابد ان نضع تصوراً ماذا نريد وكيف ان ..تكون الثقافة مستقلة لا أن تكون تابعة للدولة ولا تابعة للقطاع الخاص كي يمولها

موارد الاتحاد واستقلاله
 هل تري أن الاتحاد مستقل عن الدولة؟

نعم أري أن الاتحاد مستقل عن الدولة

كيف وأن ميزانية الاتحاد أغلبها من الدولة؟

ليس هذا هو المقياس، فهناك جهات أخري وموارد متنوعة وهذا هو الوضع الذي أتحدث عنه لتصل الثقافة اليه وهو تنوع الموارد بحيث لا يكون لأحد الاحتكار.. لو أن الدولة هي التي تنفق علينا لن يستطيع الاتحاد أن يأخذ موقفاً مستقلاً.. الاتحاد مستقل عن الدولة فالاتحاد مثلاً في أول اجتماع عقده أصدر بياناً سياسياً وكان رأيه ليس مطابقاً لرأي الحكومة. الاتحاد عندما حدثت أزمة بني سويف كان أول جهة تطلب من النائب العام سرعة التحقيق فيما جري.. أليس هذا استقلالاً عن الدولة.. الاتحاد عمل مؤتمراً دولياً كبيراً للاحتفال بمرور ثلاثين عاماً علي انشائه دعا فيه الدولة.. وليست الدولة هي من أقامته له، وجاء اليه رموز الدولة من الوزراء والمسئولين والمحافظين يهنئون الكتاب بعيدهم الثلاثين. وفي هذا المؤتمر طالب اتحاد الكتاب ـ علي لسان رئيسه ـ بضرورة رفع جميع القيود المفروضة علي حرية التعبير وضرورة إلغاء قانون الطوارئ وضرورة النظر في القضايا الخاصة بالنشر.. هل هذا تابع للدولة أو للحكومة!! الاتحاد ككيان مستقل قادراً أن يأخذ مواقف استقلالية تعبر عن رأي المثقفين.. يعني لابد أن نتطرف ونذهب مع من يدخل في صراع مع الحكومة.. الاتحاد يضم كافة الاتجاهات والأفكار السياسية داخل أعضائه. الاتحاد لم يكن لديه مشروع يحوز علي اجماع الأعضاء لينهضوا به وعندما وجد المشروع لا تتخيل مدي المساعدة من جميع الأعضاء.. وفي هذا الاطار تم ضم يسري الجندي وشريف الشوباشي وهناك من طالبوا بالانضمام الي هذا اتحاد الكتاب . مثل د. مصطفي الفقي وتحول الاتحاد من مؤسسة طاردة الي مؤسسة جاذبة

اقتراح
 لماذا لا تنعقد الجمعية العمومية لاتحاد الكتاب لمناقشة أمور هذا الوطن في يوم كامل والخروج بتوصيات للحاكم توضح كيفية النهوض.. وتقدم تصوراً لمستقبل أفضل لهذا الوطن.. مثل اقتراح قوانين مثلاً للخروج من الأزمة؟!

المسألة أدوار.. كل جهة وكل جهاز له دور معين يقوم به فلا نستطيع أن نأتي للحكومة ونقول لماذا لا تكتب الرواية أو أن تأتي الحكومة وتكتب رواية سلمية وتريد من الكتاب أن يكتبوا مثلها.. نحن لا نكتب القوانين جهاز لابد أن يعرف دوره جيداً.. ولا ينشغل بغير هذا الدور هناك أجهزة أخري تقوم به.. نحن نقوم بدورنا الذي لا يقوم به أحد غيرنا وهو النهوض بمستوي الكتاب وأن ترتفع بهامة هذا الاتحاد الذي يعبر عن الكتاب، واذا تطلب هذا تغييراً في بعض القوانين فلنطالب بهذا وأن نسعي اليه دون ان تكتب القوانين هذه هي مهمتنا.. ولكن لنا رأي في القضايا السالبة للحريات إذ يجب أن تلغي.. هذا موقف وهذا من حقنا وسن القوانين ليس من حقنا وليس من اختصاصنا.. اما بالنسبة للجمعية العمومية ففي أي تشكيل نقابي ينتخب مجلس وهذا المجلس هو الذي يجتمع وفي كل يوم تجتمع الجمعية العمومية لتحاسب هذا المجلس.. هذا هو النظام النقابي في العالم كله

أزمة الكتاب المصرى
 الكتاب الآن في أزمة تهدد صناعته تتمثل في سوء التوزيع وضعف القدرات التسويقية والجمارك والضرائب واستيراد مستلزمات الورق والطباعة من الخارج... ما الحل إذن؟

هذه الأزمة تعبر تماماً عن الوضع الذي أتحدث عنه وهو أن يبحث المثقفون وأن يضعوا تصوراً للوضع المفروض أن تكون الثقافة عليه.. الكتاب كانت الحكومة تدعمه والآن فالوضع اختلف، فهناك أحبار وورق مستورد من الخارج يجعل تكلفة الكتاب أعلي من مستوي المستهلك الطبيعي للكتاب لذلك نطالب الدولة بأن ترفع الجمارك علي المواد الداخلة في تصنيع الكتاب وأن تعتبر هذا خدمة أساسية معفية.. من الضرائب.. فالكتاب أساسي مثل الخبز تماماً.. فيجب دعم الكتاب دون الاقتطاع من ميزانية الدولة عن طريق تخفيض الجمارك والضرائب علي المواد الداخلة في صناعة الكتاب

إذن الحكومة السبب أيضاً في الأزمة التي تواجه الكتاب؟

نعم هي السبب

الكتاب المصري يحتضر ولا عزاء لريادة الفكر والثقافة المصرية.. ما رأيك في هذه العبارة؟

لا أوافق علي هذه الأشياء الصادمة لأن الحقيقة لا تكون هكذا.. الكتاب المصري لا يحتضر.. الكتاب المصري يمر بأزمة وأزمة خطيرة يجب معالجتها ويمكن معالجتها.. الكتاب المصري مازال موجودا.. ووجود الكتاب لا يعني في حد ذاته انه لا توجد مشاكل.. الكتاب الموجود ولكنه لا يحتضر

طبيعة العلاقة بين المثقف والسلطة
 فى النهاية كيف يرى محمد سلماوى رئيس اتحاد الكتاب ما يجب أن تكون عليه العلاقة بين المثقف والسلطة؟

ليس هناك سلطة في العالم في حالة وفاق كامل مع المثقف، فطبيعة العلاقة بين السلطة والمثقف هي علاقة جدلية.. لأن طبيعة عمل كل منهما مختلفة، فرجل السياسة يعرف ما يريد ويريد تنفيذ هذه السياسة أما المثقف فيشارك ويناقش ويحاور، فبالنسبة لرجل السياسة المثقفون يعطلون السياسة. المثقف دائماً هو الرأي الآخر والرأي الآخر يحمل كثيراً من الصواب ووسيلة لتصحيح المسار وهو لا يتم إلا من خلال الرأي الآخر. يمكن لهذه العلاقة أن يصيبها شيء من العوار لو أن المثقف نسي دوره ولو أن السلطة نسيت طبيعة هذه العلاقة وأرغمت المثقفين علي ان ينصاعوا بالكامل لسياستها.. والعكس صحيح.. إذا تصور المثقف أن دوره أن يؤمن وأن ينصاع بالكامل لسياسة الحكومة. وفي النهاية وقبل ان ينتهي الحوار اتصل جان كارلو بوزيت رئيس تحرير مجلة ثقافية ايطالية سمع عن مؤتمر اتحاد الكتاب ويريد أن يكون هناك تعاون بين المجلة والاتحاد لعقد مؤتمر مشترك حول حوار الحضارات في مصر. يضم المؤتمر قائمة من الكتاب العالميين من أوروبا يساهمون في المجلة بالمقالات يشاركون في المؤتمر وينعقد هذا المؤتمر في مارس القادم.. يقوم الأستاذ محمد سلماوي الآن ببحث الموضوع وعرضه علي اتحاد الكتاب.. لاتخاذ قرار بشأنه

جميع الاصدرارات متوافرة لدى المكتبات الكبرى و دور النشر
الصفحــة الرئيسيـة
الـسـيرة الـذاتــيـة
مؤلفـات الكـاتب
مقالات عن الكاتب ومؤلفاتة
حـوارات الكـاتب
البــوم الصــور


تليفــون : 25783104

 

 
 
 

Designed by Abdelhafez Alnomany | 0127828975