حوارات الكــاتب
الصحافة أنقذتنى من الانعزال فى برج عال

نصف الدنيا 10-6-2007

أجرت الحوار : أميمة ابراهيم

مهنة الآباء والأجداد كانت ستجعل منه أحد كبار رجال الأعمال أو ملاك الأراضى، إلا أن حبه للغة الإنجليزية وآدابها أدخله باب التدريس الجامعى وإن استمر كان يمكن أن يصبح رئيس قسم أو عميدا أو ربما وزيرا للتعليم ولكن رغبته فى المشاركة فى قضايا بلاده الملحة جعلته يتجه للصحافة والتى كانت عند حسن ظنه فحقق معها أكبر الخبطات الصحفية، وزامل كبار الكتاب والمفكرين فأصبح الكاتب والأديب محمد سلماوى. مقومات النجاح كانت فى عائلة معظم أعضائها من رجال الأعمال وملاك الأراضى.. جدى لوالدى كان من ملاك الأراضى فى منطقة دسوق وجدى لوالدتى كان رجل اعمال ناجحا كذلك كان والدى. وقد ربانى والدى على الأستقلال وحرية القرار وأذكر أننى حين حصلت على الثانوية العامة سنة 1962 وكنا فى الأسكندرية سألت والدى عن الكلية التى ينصحنى بدخولها .. فأجابنى اختر الكلية التى التى تحب أن تدرس موادها وليس التى يؤهلك لها مجموعك أو التى يقول الناس عنها إن لها مستقبل. وبالفعل اخترت كلية الآداب وكنت اول كاتب فى العائلة إذ بها الكثير من المهنيين: أطباء ومهندسين وغيره وأعتقد أن الناحية الفنية ورثتها عن والدتى فهى كانت محبة للفن كرسامة غير محترفة فلم تقم معارض ولكنها كانت ترسم لوحات زيتية وقد تركت لنا مجموعة منها تزين حوائط منازلنا. أما والدى فأخذت عنه وطنيته وقد غرس فىّ حب الوطن وضرورة الانتماء وأنا مدين له أيضا بلغتى العربية فقد كنت فى كلية فيكتوريا ومعظم زملائى الذين تخرجوا معى فى ذلك الوقت كانت لغتهم العربية ضعيفة جدا ولكن والدى علمنا القرآن على يد شيخ كوسيلة لتعلم اللغة العربية وركائزى الآن كأديب هى الإحساس بالجمال والانتماء للوطن واللغة العربية .. لان الأديب فى رأيى يجب أن يكون لديه إحساس بالجمال ومرتبطا بقضايا أمته وهذا تعزيف مهم بالنسبة لى كأديب يتعامل باللغة وعليه أن يملك ناصيتها

طريق الصحافة

نشأتى لم تجعلنى أحصل على مميزات خاصة وقد كافحت فى حياتى العملية .. فالإنسان سواء فى الصحافة أو الأدب ما لم يكن قادرا على المنافسة وإثبات ذاته فلن يحصل على أى مميزات.. واعتبر نفسى عصاميا فى مجالى مثل جدى من والدتى محمد شتابك رجل الأعمال المليونير صديق طلعت حرب والذى ترك دسوق هربا من اخواته غير الأشقاء وجاء إلى مصر وبنى نفسه بنفسه فرغم انتمائه لعائلة ثرية كان عصاميا ومول الكثير من المشروعات فتبرع لأخبار اليوم فى بدايتها . كما مول فيلم «نشيد الأمل» لأم كلثوم متبرعا بميزانية الفيلم لاستوديو مصر.. وقد عملت بالتدريس فى الجامعة كمدرس للغة الإنجليزية وآدابها ولكن لأن فكرة الانتماء كانت فكرة اساسية اتجهت للصحافة فلم أكن اتصور أن تمضى حياتى مدرسا للأدب الإنجليزى فى بلد 70% منه أميون.. فقد كنت أشعر بأن هناك قضايا أكثر إلحاحا وأكثر أهمية تحتاج أن أنتمى إليها وأتبناها بشكل أكبر .. فلما قابلت الأستاذ محمد حسنين هيكل وعرض على أن أنضم إلى أسرة تحرير الأهرام وجدتها فاتحة جديدة لى.. ممكن أن تلبى لدى هذا الاحتياج بالانتماء للواقع الذى نعيشه أكثر من الأدب الإنجليزى . وكنت قد سافرت إلى أكسفورد وأنا مدرس بالكلية وأخذت دبلومة فى أدب شكسبير ولكن عندما تحولت إلى الصحافة شعرت بأننى يجب أن أدرس فى الصحافة فقمت بعمل ماجستير فى علم الاتصال الجماهيرى من الجامعة الامريكية لانه لم تكن تسمح الجامعات المصرية بعمل ماجستير فى تخصص غير التخصص الذى تخرج فيه طالب الماجستير أما النظام الأمريكى فيسمح بهذا

خبطات صحفية

بعد التعيين فى جريدة الأهرام ببضعة أشهر طلبت من رئيس التحرير محمد حسنين هيكل السفر إلى نيويورك لحضور دورة الأمم المتحدة وتغطية مناقشاتها. فكان رد رئيس التحرير : "تسافر تعمل ايه؟ لدينا مراسل دائم هناك ليفون كشيشيان وقد أرسلت د. كلوفيس مقصود ليتابع القضية الفلسطينية كما سيذهب حمدي فؤاد ليتابع قضية الشرق الأوسط أما أحمد بهاء الدين فسيكون المشرف على كل شئ هناك ويعود ليكتب ما يريد.. وسط هؤلاء هل تظن أنك ستغطى ما لم يستطع كل هؤلاء تغطيته؟! فذكرت له أن من بين كل هذه الموضوعات هناك موضوع مهم جدا لم يذكره وهو قضية السكرتير العام الجديد للأمم المتحدة.. وكانت هناك صراعات كثيرة حول من سيتقدم للمنصب وشعر من كلامى بأننى متابع للموضوع إلا أنه لم يكن قد مر على تعيينى سوى ببضعة أشهر ولم يكن لديه ثقة كبيرة فى قدراتى وأنى أستطيع أن أفرض عملا جيدا وسط كل الكبار الذين ذكرهم لذا عرضت عليه أن اسافر على حسابى فوافق ووعدنى إذا نجحت فى مهمتى أن يتكفل الأهرام بالمصاريف .. وهكذا وجدت نفسى فى تحد وذهبت وكدت أفقد الرهان لأن وقتها كانت الحرب بين الهند وباكستان فى 1971 تسيطر على أعمال مجلس الأمن فكان يتم تأجيل موضوع السكرتير العام وبدأت أشعر بخيبة الأمل فرغم الأخبار وبعض التحليلات التى كنت أراسل بها الجريدة فإن المهمة الأساسية التى سافرت لها لم تتم وكل مجهوداتى التى قمت بها من أجل الفوز بأول حديث صحفى مع السكرتير العام ستذهب هباء ولكن فى آخر لحظة وقبل انتهاء الدورة بساعات فقط تم انتخاب فالدهايم وكنت أنا من بلغه الخبر وكان مندوب النمسا فى الأمم المتحدة ولم يكن قد بلغ بعد رسميا حين كنت أجرى معه أول حديث صحفى فى العالم ونقلته عنى كل وكالات الأنباء نقلا عن الأهرام وكانت هذه الخبطة بداية الشهرة ودفع لى الأستاذ هيكل مصاريف السفر مع مكافأة مجزية

لقاء البلدوزر

من أهم الخبطات الصحفية كان لقائى مع جاك شيراك عام 1975 وكنت أول صحفى عربى يجرى معه حوارا عندما كان رئيس وزراء فرنسا وأذكر عنوان الحوار كان "البلدوزر الذى يتطلع إلى مقعد الرئاسة" وكان هذا اللقب هو ما يطلق على جاك شيراك فى السياسة الفرنسية لأنه كان منجزا وقويا ولا شئ يقف أمامه. وقد كنا نستفيد فى عملنا شيئين أولا تشجيع الجريدة ومؤازرتها لنا وثانيا أسم الأهرام.. فالأهرام لم يرتب لى الحديث مع جاك شيراك لكن عندما ذهبت إلى فرنسا واتصلت برئاسة الوزراء وقلت لهم أننى فلان من جريدة الأهرام المصرية كانت الأبواب تفتح بالإضافة لتشجيع رئيس التحرير الذى كان يستقبلنى ويضعنى فى حالة تحد وينمى روح المغامرة ويكافئنى عندما أنجح

خبطة أنديرا غاندى

قابلت أنديرا غاندى مرتين .. مرة وهى رئيسة وزراء ومرة عندما خرجت من رئاسة الوزراء وكانوا يضطهدونها فبعد ترتيب موعد معها ذهبت للقائها فوجدتهم قد أعتقلوها ورأيت فى يديها الكلبشات، فإذا كنت قد أجريت معها الحديث فسيكون حوارا عاديا مع رئيس وزراء سابقة إنما عندما ذهبت ورأيتها مكبلة ومعتقلة والناس يتظاهرون خارج بيتها .. أعطتنى موضوعا صحفيا آهم بكثير من الحديث الذى كنت سأجريه.

لقاء الوجدان

قابلت داليدا كثيرا فقد كانت صديقة وكتبت عنها كثيرا فهى من السيدات اللاتى قابلتهن وأثرن فى وجدانى بخلاف الشخصيات الكبرى الأخرى التى أثرت فى تفكيرى وفى عقلى وآرائى. هى والأميرة ديانا التى قابلتها مرة واحدة ولفترة وجيزة جدا على العشاء فى منزل السفير البريطانى فى القاهرة عندما كانت فى زيارة لمصر وأذكر عندما دخلت قاعة الاستقبال كان أول انطباع لى صدمتى فى جمالها فقد وجدتها نحيفة جدا وملامح وجهها وزواياه حادة جدا لم أجد الصورة الخيالية التى كنا نراها لها حتى جلست إليها بعد العشاء على أريكة واحدة وتكلمت معها ورأيت كيف أن الجمال ليس مرتبطا فقط بالصورة الخارجية إنما لديها جمال داخلى يطغى على الصورة الخارجية وشعرت بجمال هذه المرأة وبعد انتهاء المقابلة والتى لم تدم سوى عشرين دقيقة شعرت أننى كنت مع واحدة من أجمل نساء العالم.. أما داليدا فقابلتها أكثر من مرة وكان بيننا صداقة وكنت حزينا لحالتها النفسية وكانت أمرأة ناجحة جدا ولديها قوة إرادة وفرضت نفسها أكثر من مرة عندما سقطت من على عرش الغناء فى فرنسا ولكنها كانت تعود دائما بجهدها ودأبها فاعتلت عرش الغناء مرة ثانية وثالثة. وأذكر آخر مرة رأيتها كان فى حفل عشاء وبدت حزينة جدا ورأيت فى عينيها حزنا شديدا فقلت لها كلاما يرفه عنها فقلت لها جميعنا ونحن صغار كان لدينا حلم أن نصبح نجوما فى مجالنا وأنت من القلائل الذين حققوا هذا الحلم فنظرت لى بحزن وقالت لى ما معناه: ما جدوى أن يحقق الإنسان ذاته العامة ويفشل فى تحقيق ذاته الخاصة . فقد كانت إنسانة تعيش فى وحدة شديدة وبعد أن كانت تنتهى من حفلاتها وتبتعد عنها الأضواء المسلطة كانت تعود إلى منزل خاو على عروشه.. وحدها بلا زواج ولا ابن ولا أسرة وبعد أشهر قليلة من هذه المقابلة انتحرت وكان الجميع يتساءل كيف تنتحر داليدا وهى على قمة المجد ولكنى كنت على علم بسبب انتحارها

التمثيل والتأليف وجهان لنجاح المسرح

كل كتاب المسرح ارتبطوا بخشبة المسرح بشكل أو بآخر .. توفيق الحكيم كان يعيش فى كواليس مسرح عابدين وشارع محمد على وروى لى كثيرا عن جلوسه مع الممثلين والكومبارس فى كواليس هذه المسارح وهو شاب، شكسبير كان ممثلا فى فرقة تمثيل .. وهذا لأن الكاتب المسرحى من خلال معايشته لمختلف جوانب المسرح يستطيع أن يكتب المسرحية متخيلا أداء الممثلين .. فإذا عمل بالتمثيل يصبح واعيا بوضع الممثل على المسرح. وككاتب مسرحى كان لى اهتمام بالتمثيل وبدأت بالتمثيل فى فرقة المدرسة ثم الجامعة وكنت عضوا فى فرقة الحكيم فى الستينات .. فقد أسس فريق تمثيل المسرحيات المصرية باللغة الإنجليزية وأخذ من ضمنها بعض الممثلين المعروفين الآن مثل لبنى عبد العزيز وسمير صبرى وغيرهما وبعض طلبة فريق تمثيل الجامعة ومثلت على مسرح محمد فريد وكان يطلق عليه وقتها مسرح الحكيم. كما مثلت فيلما سينمائيا عن طريق المصادفة .. فقد كنت بالنادى عندما كان يصور فيلم كوميدى بطولة فؤاد المهندس وشويكار وتغيب ممثل فعرض علىّ المخرج حسام الدين مصطفى أن أقوم بأداء دوره فطلبت أن أقرأ السيناريو فقال لى ليس هناك وقت ستمثل الآن وصورت معهم بالفعل ولكن لم يكن من خططى أن أكون ممثلا سينمائيا أو مسرحيا وإنما مثلت حبا فى الفن والمسرح وهناك ناس كثيرون مثلوا دون أن يكون ممثلين من هؤلاء الرئيس محمد حسنى مبارك الذى ظهر فى فيلم عن حرب أكتوبر وجابرييل جارسيا ماركيز الكاتب العالمى وغيرهما

علاقة شائكة بين الأدب والصحافة

العلاقة بين الكتابة الصحفية والكتابة الأدبية شائكة لأن كلا منهما يمثل نوعية مختلفة من الكتابة. فالأدب يحتاج عدم المباشرة ويحتاج إلى أسلوب أدبى خاص يعتمد على التأمل والرؤية بينما الأسلوب الصحفى يعتمد على المباشرة وسرعة ايصال الخبر والاقتصاد فى الكلمات والمعانى ويكاد يقترب من الأسلوب التلغرافى .. ولذلك قليلون هم الذين كانوا ادباء وصحفيين بنفس القدرة والكفاءة. وجدنا أن هناك صحفيين كثيريين يكتبون بين آن وآخر روايات مثل موسى صبرى ومصطفى أمين .. كتبوا روايات ولكنها لن يكون لها مكان كبير فى تاريخ الأدب فى مصر وهناك على الجانب الآخر كتاب أدباء كتبوا فى الصحافة مثل يوسف ادريس وتوفيق الحكيم والجمع بين الاثنين يكون صعبا نوعا ما وقد نجح فيه إحسان عبد القدوس. أنا فى الأساس اعتبر نفسى اديبا وقد أفادنى الأدب فى الصحافة لأنه أعطى لمقالاتى أسلوبا أدبيا وفنيا خاصا كان يمكن أن يغيب عنى لو لم أكن اديبا .. كما أعطانى الرؤية التأملية التى هى من خصائص الأديب أو المثقف، بينما الصحافة أفادت عملى الأدبى فى أنها وضعت يدى مباشرة على نبض الشارع وأهم القضايا التى تواجه الأمة فى هذه المرحلة..لذا فما أكتبه من مسرحيات أو قصص قصيرة أو روايات يتصل اتصالا مباشرة بالقضايا التى تهم المجتمع فى الوقت الحالى مثل قضايا الحرية والديمقراطية وعلاقة الفرد بالسلطة وكلها موضوعات نابعة من الواقع والصحافة هى المسئولة عن ذلك لأنها حالت دون انعزالى كأديب فى برج عال. وقد ترجم لى كتب ومسرحيات نشرت لى فى الخارج آخر مسرحية كانت رقصة سالومى الأخيرة صدرت فى فرنسا. عن دار لارماتان.. كما ترجمت رواية "الخرز الملون" وستصدر الشتاء المقبل بفرنسا. أيضا ترجمت لى ثلاث مسرحيات فى أمريكا وهى "فوت علينا بكرة" و "اللى بعده" و "سأقول لكم جميعا". وصدرت فى واشنطن عن دار القارات الثلاث.. صدر لى أيضا ترجمات بلغات أخرى كالإسبانية والألمانية والإيطالية من قصص قصيرة وأعمال متفرقة وعرضت لى مسرحية فوت علينا بكرة فى مسرح سانكتوارى بأمريكا .. ومسرحية "اثنين تحت الأرض" فى مسرح مولهايم فى ألمانيا ومسرحية "الجنزير" فى مسرح التريانو فى فرنسا بالإضافة للجوائز التى نالتها بعض العروض المسرحية، رقصة سالومى الأخيرة نالت جائزة مهرجان قرطاج فى تونس ومسرحية سالومى نالت درع مهرجان جرش فى الأردن ومسرحية فوت علينا بكرة فازت فى مهرجان المسرح العربى بجائزة أفضل مسرحية وهذه الجوائز أعتز بها أكثر من الأوسمة التى حصلت عليها مثل وسام فارس من فرنسا ووسام ضابط أعظم من ايطاليا .. فهذه التكريمات لشخصى أنا لكن التى فازت بها أعمال لى أعتز بها كثيرا

دَيْن نجيب محفوظ

من الكتب ايضا التى فازت كتاب "وطنى مصر" والذى كتبته عن نجيب محفوظ وفاز سنة إصداره بجائزة أفضل كتاب من نادى الكتاب الفرنسى هذا الكتاب صدر فى فرنسا وصدرت النسخة العربية منه فى مصر فى العام التالى بعد أن فاز بهذه الجائزة. هذا كان أول كتاب ألفته عن نجيب محفوظ وآخر كتاب هو كتاب "نجيب محفوظ المحطة الأخيرة" وصدر باللغة العربية ويجرى الآن ترجمته إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية وهو كتاب فى شكل يوميات المرحلة الأخيرة فى حياة نجيب والكتاب عن نجيب محفوظ بشكل عام وعن علاقتى به وعن أشياء كثيرة عرفتها عنه ورؤية لبعض أعماله .. كتاب شامل وإن كان قصير جدا. فعلاقتى بنجيب محفوظ امتدت ثلاثين عاما منذ عرفته فى الأهرام وكنت شابا وتنامت العلاقة بشكل مطرد.. اختارنى لأمثله فى احتفالات نوبل وألقيت بيانه أمام الملك .. اختارنى بعد ذلك أن أكتب مقاله الأسبوعى فى الأهرام فى شكل حوار بيننا .. كما اختارنى فى المستشفى أن أكون قريبا منه وأن أتولى الإشراف على أموره المختلفة أثناء مرضه .. فهو كرمنى وشرفنى كثيرا وأشعر بأننى مدين له بالكثير وأحاول أن أرد بعض هذا الدين من خلال الكتابة عنه والتى مازلت أكتبها فى الأهرام كل أسبوعين لأنه ما زال عندى أشياء كثيرة جدا عن نجيب محفوظ لم تنشر ومن حق القارئ أن يعرفها وأيضا من حق نجيب محفوظ علينا أن ننشرها وأن نعلم الناس بها لأن حياته كانت ثرية جدا ومليئة بالأشياء التى يتطلع جمهوره العريض إلى معرفتها.

مقالات مختلفة ومواقف واحدة

تختلف مقالاتى من جريدة إلى أخرى ولكن الاختلاف هو اختلاف فى أسلوب الكتابة وطريقة معالجة الموضوع لكن المواقف .. هى نفسها التى أعبر عنها فى مقالى فى الأهرام .. أو فى المصرى اليوم والوفد وأكتوبر. لأن قارئ كل من هذه الإصدارات مختلف عن قارئ الإصدار الأخير . قارئ الأهرام مثلا قارئ يتعمق فى الأشياء ويحب أن أى رأى يقال له يتم تأصيله بعكس بعض الجرائد الأخرى كجريدة الوفد المعارضة حيث القارئ يريد أن رأيا جريئا وقارئها لا يحب تضييع وقته فى تأصييل هذا الرأى واثباته بالأدلة والبراهين بالتالى يتحول مقال الأهرام إلى نوع من البحث الصغير فى الموضوع بينما مقال الوفد مقال رأى أكثر من مقال تحليلى، ومقال المصرى اليوم لأنه مقال فى الصفحة الأخيرة يوم الجمعة يوم الإجازة فبالتالى هو مقال ساخر يسخر من بعض مظاهر الحياة المحيطة بنا وبعض المشاكل التى نواجهها. أما مقال أكتوبر فهو مقال استرجاعى لبعض ذكرياتى ولقاءاتى ببعض الشخصيات العالمية والكبيرة، لأن هذه الشخصيات حين قابلتها نشرت أحاديثى معها فى حينها لكن هناك أشياء أخرى كثيرة لم تنشر عن هذا اللقاء لأنه حين تقابل رئيس وزراء تتكلم فى السياسة وزيارته القادمة لمصر وفى العلاقات بين مصر ودولته.. ولكن هناك أشياء انسانية تحدث لا تجد لها مكانا فى هذا الحوار.. فالذكريات التى أكتبها فى أكتوبر هى نظرة إنسانية لهذه الشخصية وليس بالضرورة آراؤها السياسية فكل جريدة وإصدار له طبيعته وهذا ما يجعل كلا منهم مختلف عن الآخر

المثقف والسلطة

المثقف فى الوقت الحالى يعتبر أسيرا داخل مثلث من ثلاثة أضلاع يحول دون انطلاقه .. الضلع الأول من هذا المثلث هو السلطة السياسية التى دائما ما تلجأ ليس عندنا فقط وانما فى العالم كله وبقدر ما تسمح لها الظروف لقمع المثقف لطبيعة العلاقة بينهما وهى علاقة تضاد فالمثقف يحب أن يناقش كل شئ بينما رجل السياسة يتصور أنه يعرف الحل ولا يريد إضاعة الوقت فى النقاش الذى هو فى رأيه لا جدوى منه فيرى فى المثقف عنصرا معطلا للانجاز بينما المثقف يرى فى رجل السياسة الذى لا يناقش القضايا بالقدر الكافى أنه ينزلق إلى طرق خطرة وأخطاء جسيمة يدفع ثمنها المجتمع وكان يمكن تلافيها لو ناقش الأمور بقدر أكبر وتعمق أكثر وأخذ فى اعتباره مختلف الجوانب الايجابية والسلبية أو السياسات التى يسعى لتطبيقها. الضلع الثانى هو الاتجاه الدينى المتطرف الذى أصبح يفرض نوعا من الرقابة على المثقف غير الرقابة الرسمية التى تفرضها الدولة وأضاف إلى المحظورات اشياء كثيرة بدون وجه حق.. يحاول ارجاعها إلى اسس دينية والدين منها براء خاصة الدين الإسلامى .. دين متسامح ورحب أقام الحضارة والثقافة على مر السنين فلا يمكن أن نحصره داخل تعاليم بعض الشيوخ المتطرفين . وفى الوقت الذى تسعى السلطة لقمع المثقف فإن هذا الضلع الآخر "الاتجاه الدينى" يسعى فى بعض الأحيان إلى اغتيال المثقف كما حدث مع فرج فودة وكاد يحدث مع نجيب محفوظ ومكرم محمد أحمد وغيرهم . الضلع الثالث هو المجتمع نفسه غير الواعى الذى هو نتاج تربية وتعليم يشوبها الكثير من القصور وبالتى يفرض نوعا من الوصاية الاجتماعية على العمل الإبداعى نتيجة لهذا القصور فى رؤيته وفى تفكيره وهو نوع من الجهل المجتمعى سواء فى المدرسة أو من خلال الإعلام أو حتى من خلال الأسرة نفسها غير القائمة على الوعى والتنوير والإطلاع . إنما قائمة على عكس ذلك مما يخلق مجتمعا غير رحب وغير متسامح وعلى غير استعداد لتقبل ما هو جديد أو ما هو مبتكر ويركن دائما إلى ما تعودنا عليه وما درج عليه الناس وهذا وضع لا يساعد على الابتكار والإبداع الذى يسعى اليه المثقف وما بين الأضلاع الثلاثة يكون المثقف معاصرا فهو يحارب على ثلاث جبهات فى الوقت نفسه

الارتقاء بالكاتب

كرئيس لاتحاد كتاب مصر أهم هدف أحاول تحقيقه مع زملائى فى الاتحاد أن نعيد للكاتب المصرى مكانته التى يستحقها لأنه بدون شك موقع الكاتب قد تراجع كثيرا فى السنوات الاخيرة. وإذا لم يسع اتحاد الكتاب لرفع قامة الكتابة فى المجتمع لن يقوم أحد غيره بذلك، وفى هذا الاطار أنشأنا عيدا جديدا هو يوم الكاتب مثل يوم الصحفى ويوم الفلاح ويوم المرأة وهذا كان اقتراح اديبنا الأكبر نجيب محفوظ ويوم إلقائه البيان الذى طالب فيه بذلك هو 21 من نوفمبر .. لذلك جعلنا هذا اليوم يوم الكاتب من كل عام ويعقد فيه الاتحاد مؤتمرا نركز فيه الضوء على الكاتب ودوره والقضايا التى تهم الكاتب وهذا العام سيكون عامه الثالث. كما سعينا فى الوقت نفسه أن نربط الكاتب بالقضايا المجتمعية الكبيرة وأن يكون له رأى فيها، وفى هذا الاطار كان لنا مواقف فى اتحاد الكتاب مع كل القضايا الكبرى سواء القضية الديمقراطية أو قضية المسجد الأقصى أو قضية العراق أو القضايا المهنية مثل حرية التعبير والإبداع داخل المجتمع أيضا سعينا إلى الارتفاع بمستوى الكاتب المادى فمعاش الكاتب فى اتحاد الكتاب لم يكن يزيد على 70 جنيها . وهذه مسألة تكاد تقترب من حد الإهانة فجمعنا تبرعات قدرها مليون جنيه تقريبا وحصلنا على قرار من رئيس الوزراء للحصول على مليونى أخرى ورفعنا حتى الآن المعاش بنسبة 15% كدفعة أولى .. فى محاولة للارتقاء بمستوى الكاتب المادى والأدبى والفكرى والفنى .. فهذه أهم قضية وتتفرع منها كل المشروعات التى قمنا بها

نافذة على العالم

أما بالنسبة لاتحاد الكتاب العرب فيجب أن يكون القلعة المدافعة عن حرية الإبداع وحقوق الكتاب فى الوطن العربى وأن يكون هو النافذة التى تطل منها الأمة العربية على العالم من خلال عدد من الاتفاقيات التى نحن بصدد توقيعها بين اتحاد الكتاب العرب واتحادات الكتاب الدولية ، وهذه الاتفاقيات تسمح لنا باقامة مؤتمرات مشتركة ولقاءات بحيث يكون هناك وسيلة لتوصيل وجهة نظرنا العربية وصورتنا الحقيقية للخارج وهذا هو الوضع الأمثل لحوار الحضارات والثقافات. هدف آخر نسعى إليه وهو ضم كل الدول العربية كأعضاء فالاتحاد يضم الآن 15 دولة عربية وهناك دول لا يوجد فيها اتحادات كتاب فنسعى لاقامة اتحاد كتاب فيها لينضم إلى الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب وبذلك تزيد مساحة الاتحاد فى الوطن العربى ويزيد تأثيره وعدد أعضائه

الأهرام إبدو

رئاستى لتحرير الأهرام إبدو جاء بعد الأهرام الويكلى حيث شرفت أن كنت مديرا لتحرير الأهرام ويكلى مع رئيس تحريره الراحل الزميل العزيز حسنى الجندى أسسناه معا وبعد أن نجح طلب منى الأهرام أن أؤسس جريدة باللغة الفرنسية .."الأهرام إبدو" فى المحاولتين كان الهدف ليس تأسيس جريدة إنجليزية أو فرنسية ولكن تأسيس جريدة مصرية عربية صادرة باللغة الإنجليزية أو الفرنسية وهذا سر نجاح الجريدتين، لأن القارئ الأجنبى الذى يقرأ هذه الجرائد يقرأ عن مصر والعالم العربى فى جرائده الأجنبية ولكن ما لا يجده فيها هو وجهة النظر العربية وكيف يرى العالم العربى نفسه وما أقصده بوجهة النظر العربية ليس وجهة النظر الحكومية وإنما كيف نرى أنفسنا وكيف ننظر إلى قضايانا وكيف نتعامل مع القضايا الدولية. ولتصل الجريدة لذلك أقمناها على أحدث الأساليب التكنولوجية وما أعتز به أن الأهرام إبدو هى أول جريدة فى مصر تقوم منذ بدايتها على الوسائل الإلكترونية: فلا يوجد لدينا أى خطوة من خطوات العمل الصحفى تتم إلا عن طريق الكمبيوتر من صحافة واخراج فنى وتصحيح مقالات، أما المضمون فالشرط الذى قام عليه الإبدو ومن قبله الويكلى أنه ليس هناك رقابة على ما ينشر فى هذه الصحيفة لأن القارئ الأجنبى إذا علم أن هناك مظاهرة ما واشترى الجريدة ولم يجد الخبر أو وجده بصورة مشوهة فلن يشترى الجريدة مرة أخرى وسيكتفى بجرائده وإذاعته المرئية والمسموعة فكان لابد أن نقدم وجهة النظر العربية من خلال كل الاتجاهات السياسية الموجودة فى المجتمع حتى يعرف القارئ الأجنبى ماذا تقول الحكومة وموقف الاخوان المسلمين واليسار، وقد وجدنا أنه بسبب هذا التمييز فإن عددا كبيرا من المصريين الذين يتحدثون الفرنسية يقرأون الجريدة و60% من قرائنا الآن مصريون، أما فى الخارج فنحن نوزع أربعة أضعاف ما نوزعه فى الداخل وما زالت الأعداد تتنامى

المرأة بوابة المعرفة

المرأة هى الوطن فهى الأم والزوجة والأبنة والأخت .. كل منهن على مستوى معين لكن الرجال لا يستطيع أن يعيش بدون وطن.. الوطن هو الأم الكبرى التى تضمنا جميعا.. فالإنسان الذى يفقد وطنه أو لا يشعر بانتماء لوطنه سيؤثر ذلك على شخصيته كذلك الإنسان الذى نشأ بدون أم ولم يعرف حنان وتوجيه الأم.. أو الذى يعيش دون زوجة ورفيقة درب وكل ذلك ينتج فى النهاية عن العاطفة التى يشعر بها الأب لابنته لانه يرى فيها خلاصة دور المرأة فى حياته كلها ويعطيها جزءا من الدين الذى يشعر به تجاه أمه ووطنه وزوجته.. فالمرأة جزء مهم جدا وأذكر عندما قابلت الكاتب الايطالى الكبير إلبرتو مورافيا أنه ذكر لى أن المرأة هى بوابة المعرفة بالنسبة له، كل ما تعلمه كان من المرأة ليس المعلومات ولكن تعلم الحياة .. كيف يحب ويتغلب على الخوف وكيف يحتمى وكيف يتفاعل مع الحياة بشكل عام

الحرية والتوجيه العام

ربيت أبنائى على الحرية الكاملة وعلى التوجيه العام فى الحياة.. لم أغرس فيهم أرائى ومهنتى وبعض الناس يسألوننى كيف لم يصبح أبنك صحفيا مثلك أو كيف أن أبنتك ليست أديبة مثلك؟ وأرى أن من يعمل على أن يكون أولاده نسخة كربون منه يمارس أسوأ أنواع التربية .. فالابن كالزهرة علينا أن نرويه ونعرضه للهواء الطلق النقى أن نعرضه للشمس ونحميه من العواصف بقدر الإمكان ونتركه ينمو وفق قواعده الشخصية ووفق اتجاهاته الذاتية وهذا هو دور التربية الحقيقى. وهذا ليس دور الأب فقط ولكن دور الأستاذ الذى لا يجب أن ينتج تلاميذه نسخ كربون منه .. فهذا أستاذ سيئ وهذه هى إحدى مساوئ نظامنا التعليمى .. فالأستاذ يلقن التلميذ وينتظر منه أن يعيد ما لقنه له فى الامتحان. وهذه تربية سيئة أنأى بأولادى عنها .. فكل ابن اختار طريقه بحرية كاملة واستطاع أن يتقدم لأنه اختيار مبنى على استعدادات شخصية وعلى كفاءات شخصية وليس على تلقين من أمه أو أبيه

جميع الاصدرارات متوافرة لدى المكتبات الكبرى و دور النشر
الصفحــة الرئيسيـة
الـسـيرة الـذاتــيـة
مؤلفـات الكـاتب
مقالات عن الكاتب ومؤلفاتة
حـوارات الكـاتب
البــوم الصــور


تليفــون : 25783104

 

 
 
 

Designed by Abdelhafez Alnomany | 0127828975